اهلا بك عزيزي الزائر في موقع برامج الانبار
أحدث المواضيع
||
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سيرة زوجات الرسول. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سيرة زوجات الرسول. إظهار كافة الرسائل

12/18/2015

سودة بنت زمعة ام المؤمنين رضي الله عنها نسبها ونشأتها

سودة بنت زمعة ام المؤمنين رضي الله عنها زوجة رسول الله صل الله عليه وسلم نسبها ونشأتها
من خديجة إلى سودة – رضي الله عنهما -:
بعد الخروج من الشعب بسبب القطيعة التي فرضتها قريش على بني هاشم والمسلمين والتي اسِتمرت طيلة أعوام ثلاثة
لقي فيها المسلمون عنتًا شديدًا وإرهاقًا ما بعده إرهاق.
وكانت خديجة أم المؤمنين – رضي الله عنها – كما سبق تقاسي من المرض والضعف ثم ما لبثت أن لحقت بالرفيق الأعلى، فوجد عليها رسول الله (صل الله عليه وسلم) وجدًا شديدًا وحزن حزنًا بالغًا – عليه الصلاة والسلام – وكذلك بناتها الأربع زهرات بيت النبوة النضرات: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة وكل المسلمين، ثم إن أبا طالب قد لحقها الذي كان نعم العشير والنصير لابن أخيه محمد بن عبد الله – صلوات الله وسلامه عليه – فازداد – عليه الصلاة والسلام – حزنًا وهمًا وجاءه عمه أبو لهب يرد عليه ابنتيه رقية وأم كلثوم بسبب ما نزل فيه من الوحي: ]تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ[ [المسد].
فلقد تكأكأت الهموم على القلب الشريف الكبير من كل ناحية، مما زاده تعلقًا بالله واستمساكًا بحبله ورجاء به –سبحانه-، ولقد قصد (صل الله عليه وسلم) إلى الطائف لعله يجد في أهلها بني ثقيف تفهمًا للدعوة وقبولاً لها وهم العشيرة التي طبقت أرجاء الجزيرة العربية علمًا ومعرفة.. فردوه أقبح رد وجفوه أشنع جفاء حتى إنهم أغروا صبيانهم وسفهاءهم برميه بالحجارة، فأدموا قدميه، تلك الأيام وتلك الحقبة كانت أقسى ما مر به (صل الله عليه وسلم) مهن محن وشدائد.
بين القبول والرد:
وبينما هو (صل الله عليه وسلم) ذات يوم في بيته يلفه الحزن والكآبة يفزع إلى الصلاة والدعاء ليجد عزاء قلبه وروحه جاءته إحدى السيدات المسلمات خولة بنت حكيم -رضي الله عنها- تحدثه حدثًا عجيبًا.
لقد كان المسلمون جميعهم يشعرون بما يقاسي – عليه الصلاة والسلام – من آلام المحنة فقد خلا البيت النبوي من أطهر الزوجات وأكرمهن، ومات العم المدافع عن ابن أخيه ورده أهل الطائف ردًا قبيحًا منكرًا، فكان المسلمون يحسون بذلك، ويحاولون أن يخففوا عن رسول الله (صل الله عليه وسلم) بالبحث عمن يقوم على شؤونه ويدبر له أموره وبعد تردد ونظرات بعيدة إلى الماضي تسترجع ذكرى خديجة – رضي الله عنها – قبل الرسول (صل الله عليه وسلم) اقتراح خولة بالزواج، فقالت: إن شئت بكرًا فأمامك عائشة بنت أبي بكر، وأن شئت ثيبًا فهناك سودة بنت زمعة، آمنت بك واتبعتك وهاجرت إلى الحبشة فتوفي عنها زوجها وتركها وحيدة!
فردد (صل الله عليه وسلم) في دهشة ممزوجة بالاستغراب والعجب الاسم أكثر من مرة، ولم يأت ذكر عائشة، وأخيرًا قبل الزواج من سودة لأنها مؤمنة مجاهدة قد ترملت فمن الوفاء أن تنال جزاء ما قدمت وأسلفت في سبيل الله.

نسبها ونشأتها:
هي سودة بنت زمعة بنت قيس من بني شمس، وأمها الشموس بنت قيس بن عمرو من بني النجار من أهل يثرب.
نشأت سودة في مكة وفيها ترعرعت حتى بلغت مبلغ الصبا والفتوة، فتقدم لخطبتها والزواج منها
السكران بن عمرو فقبل به أبوها وزوجها منه.
ومات عنها وكان من المصدقين الأوائل السابقين إلى الإسلام الذين آمنوا بالله ورسوله وكانت
سودة – رضي الله عنها – امرأة مسنة فارعة العود طويلة القامة ضامرة الجسم نحيلة، ليست على قسط من الجمال ولا مطمع فيها من الرجال.
إسلامها:
حين أشرقت شمس الدعوة الإسلامية والرسالة المحمدية على مكة استضاء بها قلب الزوجين
(السكران وسودة) فأعلنا إسلامهما وإيمانهما وانضويا تحت اللواء الشريف وانتظما في موكب النور.
وعندما ضاق المؤمنون ذرعًا بأذى قريش وتعرضها الدائم لهم بالإكراه والتعذيب والفتنة؛ أذن النبي (صل الله عليه وسلم) لمن أراد منهم في الهجرة إلى الحبشة قائلاً إن فيها ملكًا لا يُظلم عنده أحد حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.
هجرتها:
هاجرت سودة مع زوجها السكران بن عمرو إلى الحبشة في جملة من هاجروا، وهناك أقاموا مدة من الزمن بعيدًا عن الأهل والوطن في شوق دائم وحنين لا ينقطع، خصوصًا إلى رسول الله (صل الله عليه وسلم).
العودة من الحبشة:
وبإسلام عمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب – رضي الله عنهما – تشجع بعض المهاجرين
إلى الحبشة على العودة إلى مكة وآثر الآخرون البقاء.
وكانت سودة – رضي الله عنها – مع زوجها ممن أسرعوا بالعودة.
وتعود أسباب سرعتها في العودة إلى ما كان قد أصاب زوجها من أمراض وعلل لبعده عن الأهل
والوطن والأحباب والأصحاب وتغير المناخ.
الأيِّم:
ومع وصول الزوجين إلى مكة فوجئا بأن قريش ما تزال على موقفها من العداء الشديد للإسلام
والمسلمين، بل زادت حدة الصراع ولم ترعِو عن غيها وكفرها وعنادها، ولازم الزوج السكران بن
عمرو الفراش بسبب العلة والضعف المتناهي، وقامت سودة على تمريضه ومداواته ومساعدته
ولكن لم تمض أيام على وصوله حتى اشتد به المرض ومنعه من الكلام والحركة ولم يلبث أن فارق الحياة.
وتأيمت سودة – رضي الله عنها – وأمضت أيامها بمكة حزينة آسفة صابرة على قضاء الله وقدره،
معتصمة بإيمانها متمسكة بإسلامها، تستمد من البارئ – عز وجل – العون والرحمة.
أم المؤمنين:
ثم كانت البشرى السعيدة التي أثلجت قلبها وعزَّتْها في حزنها على مصابها، وأزاحت عن صدرها كابوس المحنة، بشرى خطبتها إلى رسول الله (صل الله عليه وسلم) فلما حلت عدتها، أرسل إليها رسول الله (صل الله عليه وسلم) يقول: «مري رجلاً من قومك يزوجك»، فأمرت حاطب بن عمر فزوجها، فكانت أول امرأة تزوجها رسول الله (صل الله عليه وسلم) بعد خديجة – رضي الله عنها – وكان ذلك في شهر رمضان سنة عشر من البعثة النبوية الشريفة، وبهذا الزواج المبارك عليها أصبحت سودة بنت زمعة أمًا للمؤمنين بعد خديجة وكانت – رضي الله عنها – تقوم خير قيام على رعاية بيت النبوة من خدمة وحدب على الفتيات الطاهرات اللواتي فجعن بالسيدة العظيمة خديجة بنت خويلد وهن في سن مبكرة أم كلثوم وفاطمة، فقد كانت زينب – رضي الله عنها – متزوجة من ابن خالتها أبي العاص بن الربيع، ورقية – رضي الله عنها – من عثمان بن عفان (رضي الله عنه) .
وكذلك قدرت سودة وجودها الجديد، واختيار النبي (صل الله عليه وسلم) لها، فأكبرت ذلك واعتبرته تكريمًا عظيمًا فاحترمت الإرادة النبوية السامية وأجلتها وأنزلتها من نفسها وقلبها أسمى مقام وأرفعه.
يومي لعائشة إذًا:
قامت سودة -رضي الله عنها- على شؤون بيت رسول الله (صل الله عليه وسلم) قيامًا حسنًا طيبًا وأدت ما عليها من واجب تجاه النبي العظيم وهي تحاول جهدها أن تحظى برضاه وعطفه وحبه.
ثم جرت الأقدار بما دبرت من العلي الكبير إذ جاء جبريل (عليه السلام) ذات ليلة يحمل قطعة من حرير عليها صورة فتاة صغيرة السن، ليخبر رسول الله (صل الله عليه وسلم) أن صاحبتها هي زوجته المنتظرة ورفيقته في الآخرة، وتكررت الزيارة في ليال ثلاث متواليات وكانت الصورة لعائشة بنت أبي بكر الصديق – رضي الله عنهما -.
وتمت الخطبة في مكة:
ولم يبن بها رسول الله (صل الله عليه وسلم) لأنها كانت صغيرة السن، وبعد الهجرة إلى المدينة تم الزواج ودخل رسول الله (صل الله عليه وسلم) بعائشة أما سودة بنت زمعة – رضي الله عنها – فكانت من المهاجرات إلى المدينة، المرافقة لرسول الله (صل الله عليه وسلم) الدائمة، المواظبة على رضاه وحبه، ولقد أدركت – رضي الله عنها – شغف النبي (صل الله عليه وسلم)بعائشة وإيثاره لها، فكانت تشعر بشيء، لكنها كانت في نفس الوقت حريصة على استمرارية بقائها زوجة للنبي الكريم وأمًّا للمؤمنين، وتحدثنا السيدة عائشة – رضي الله عنها – عن ذلك فتقول: كانت سودة بنت زمعة قد أسنت وكان رسول الله (صل الله عليه وسلم) لا يستكثر منها، وقد علمت مكاني من رسول الله (صل الله عليه وسلم) وأنه يستكثر مني، فخافت أن يفارقها، ورضيت بمكانها عنده، فقال: يا رسول الله يومي الذي يصيبني لعائشة وأنت في حل فقبله النبي (صل الله عليه وسلم) وفي ذلك نزل قول الله تعالى: ]وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا[ [النسا: 128].
ويروى أن رسول الله (صل الله عليه وسلم) بعث إلى سودة بطلاقها فلما أتاها الخبر حزنت وبكت وتألمت ثم جلست في طريقه إلى بيت عائشة فلما رأته – عليه الصلاة والسلام – قادمًا قالت: يا رسول الله أنشدك بالذي أنزل عليك كتابه واصطفاك على خلقه لم طلقتني؟ ألموجدة وجدتها علي؟ فقال – عليه الصلاة والسلام -: «لا»، فقالت: فإني أنشدك بمثل الأولى أما راجعتني وقد كبرت ولا حاجة لي في الرجال، ولكني أحب أن أبعث في نسائك يوم القيامة، فراجعها النبي (صل الله عليه وسلم) ومن أجدر وأحق من رسول الله (صل الله عليه وسلم) بالعطف والمحبة للمسلمين وللمؤمنين يقول فيه ربه سبحانه وتعالى: ]لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ[ [التوبة: 128، 129].
شهادة النبي (صل الله عليه وسلم) في حق سودة:
كانت سودة – رضي الله عنها – كما قدمنا، تحمل بعض الشيء في قلبه، ومبعث ذلك غيرة النساء لو كن كبيرات في السن، كان فيها دعابة وتحب الضحك، وروي أنها قالت ذات يوم لرسول الله (صل الله عليه وسلم): صليت خلفك البارحة فركعت بي حتى أمسكت بأنفي مخافة أن تقطر الدم ... فضحك رسول الله (صل الله عليه وسلم) وكثيرًا ما كانت تداعبه بالقول والفعل فقد كانت – رضي الله عنها – خفيفة الروح والظل، صاحبة فكاهة ومزاح صادق.
المتصدقة الكريمة السخية:
روت عائشة – رضي الله عنها – قالت: اجتمع أزواج النبي ذات يوم فقلن: يا رسول الله أينا اسرع لحاقا بك ؟
فقال – عليه الصلاة والسلام -: «أطولكن ذراعًا».
قالت عائشة: وتوفي رسول الله (صل الله عليه وسلم) فكانت سودة بنت زمعة أسرعنا به لحاقًا، فعرفنا بعد ذلك إنما كان طول يدها بالصدقة وكانت امرأة تحب الصدقة.
الوفية بالعهد:
حدث أبو هريرة (رضي الله عنه) فقال: حج رسول الله (صل الله عليه وسلم) بنسائه عام حجة الوداع وكان كل نسائه يحججن بعده إلا سودة بنت زمعة وزينب بنت جحش قالتا: لا تحركنا دابة بعد رسول الله (صل الله عليه وسلم) وروي عن سودة قولها حججت واعتمرت، فأنا أقر في بيتي كما أمرني الله – عز وجل -.
المأذون لها من رسول الله (صل الله عليه وسلم):
وروت عائشة – رضي الله عنها – قالت: استأذنت سودة رسول الله (صل الله عليه وسلم) ليلة المزدلفة أن تدفع قبله وقبل حطمة الناس أي: أن تمضي قبل الزحام وكانت امرأة ثقيلة بطيئة فأذن لها، فخرجت قبل دفعة الناس وحبسنا حتى أصبحنا، فدفعنا بدفعه (صل الله عليه وسلم) ولئن أكون أستأذنت رسول الله (صل الله عليه وسلم) كما استأذنته سودة فأكون أدفع قبل الناس أحب إلي من مفروح به.
وهذا الإذن ترخيص من رسول الله (صل الله عليه وسلم) لسودة لأنه كان من عادة الجاهليين قبل الإسلام أن يتقدم الأشراف على العامة.
فألغى الإسلام هذه العادة المفرقة وسوى بين الناس جميعًا لا فرق بين أمير وحقير أو سيد ومسود
أو مولى وعبد.
وما جاء الإسلام إلا ليرسي دعائم العدل، وليرفع عن المجتمع العربي (القبلي الجاهلي) وغيره من المجتمعات كابوس الظلامة في التفرقة بين خلقه وعباده.
فالناس جميعًا كما قال – عليه الصلاة والسلام – سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض عن أسود إلا بالتقوى.
المقسوم لها يوم خيبر:
ولقد قسم لها رسول الله (صل الله عليه وسلم) يوم خيبر من الفيء كما قسم لكل أزواجه فنالت من التمر ثمانين وسقًا ومن القمح عشرين، ولكنها – رضي الله عنها – لم تدخر ذلك.. ولم تخزنه ولم تجعله في بيتها بل فرقته على من يحتاجه قبل وصولها إلى حجرتها، وأيضًا روى محمد بن عمر أن عمر بن الخطاب، أرسل إلى سودة زمن خلافته، كما كان يفعل مع باقي أمهات المؤمنين: غرارة من دراهم فقالت: ما هذه قالوا: دراهم من أمير المؤمنين.. قالت: في الغرارة مثل التمر.. ثم نادت على جارية لها وطلبت أن توزع ما في الغرارة على المحتاجين والمساكين ودعت ربها – سبحانه وتعالى – أن يثبتها على القناعة والاكتفاء.
وهكذا كان دأب أم المؤمنين سودة بنت زمعة – رضي الله عنها – فهي لا تريد لعنصر المال أن يدخل في حوزتها أبدًا، فأشرف لها وأكرم وأعظم أن يتبلغ به فقير جائع أو مسكين محتاج أو صاحب فاقة من أن تنفقه على دنياها فالآخرة خير وأبقى والحسنة بعشر أمثالها.
وصدق الله العظيم: ]وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[ [المزمل: 20].
الوفاة:
هناك اختلاف في تاريخ وفاتها – رضي الله عنها -، فمن المؤرخين من يقول إنها كانت أي: سودة أول نساء النبي (صل الله عليه وسلم) لحاقًا به، حسب رواية عائشة – رضي الله عنها – كما قدمنا ومنهم من يقول إن أول من لحقت به من نسائه هي زينب بنت جحش ابنة عمته (صل الله عليه وسلم)، وأن سودة توفاها الله بعدها وقد كان ذلك في العام الرابع والخمسين من الهجرة زمن خلافة معاوية بن أبي سفيان والله أعلم.
رضي الله عن أم المؤمنين سودة بنت زمعة المسلمة المهاجرة والمؤمنة الصادقة المتصدقة الوفية المحبة، وأنزلها من لدنه -تعالى- منازل الأبرار الصالحين في جنات النعيم، وألحقنا بها في الطائعين التائبين من عباده إنه أكرم مأمول وخير مسؤول، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ورضي الله عن ام المؤمنين سودة بنت زمعة
اقــرأ بـــاقـي الـمـوضـوع >>>>>>

شـــارك المـوضوع لـتعم الفائـدة للجميـع

10/28/2015

خديجة بنت خويلد بن نوفل ام المؤمنين

خديجة بنت خويلد بن نوفل ام المؤمنين زوجة رسول الله محمد صل الله عليه وسلم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فحريُّ بالمسلم والمسلمة معرفة أصحاب الفضل ممن صحبوا رسول الله (صل الله عليه وسلم)، وأقاموا معه وجاهدوا في سبيل الله وصبروا على المشقة والعنت والأذى، والضيق لرفعة راية هذا الدين.
وممن لهم قدم صدق وجهاد معلوم أم المؤمنين خديجة بنت خويلد! فيا ترى من هي هذه الأم الفاضلة؟

نسبها وولادتها:كان والدها خويلد بن نوفل زعيم بني أسد بن عبد العزى شقيق عبد مناف وخليفته.. إليه ينتهي الفضل والكرم والسيادة بين قومه وعشيرته يطيعونه ويهابونه ويحترمون رأيه ويقدرونه.

ولقد حفظت قريش له شجاعته عندما تصدى له تبع ملك اليمن حين أراد أن يحمل معه الحجر الأسود إلى بلاده فمنعه من ذلك فنصبته قريش زعيمًا عليها لا ينازعه في ذلك أحد.

وكان له أخ اسمه (ورقة) اشتهر بين الناس بالحكمة وسداد الرأي وهو أحد أربعة خاصموا قريشًا في وثنيتها وعبادتها للأصنام ولما لم تستجب لهم اعتزلوها وما تعبد من دون الله.

ولادتها:
تزوج خويلد من فاطمة بنت زائدة بن الأحم القرشية – أجمل سيدات مكة – وأكثرهن صباحة وجه، وروعة حسن، فولدت له خديجة – رضي الله عنها – فكانت صورة عن والدتها إذ ورثت عنها الجمال الرائع والحسن الفتان، كما ورثت عن والدها خويلد الحزم والذكاء، واكتسبت من عمها ورقة العلم والحكمة.

نشأتها:
نشأت خديجة رضي الله عنها في بيت طاهر كريم مترف، ولما بلغت الخامسة عشر من عمرها خطبها (أبو هالة بن زرارة) مفتي قومه بني تميم وأكثرهم مالاً وأوسعهم ثراء..

فعاشت معه تقدره ويقدرها، وولدت له بنتين هما هالة وهند.. ولكن عجل القدر بوفاة الأب قبل أن تشب الطفلتان عن الطوق، وخلف لأسرته ثروة طائلة وتجارة رائجة رابحة.

ولما عرف عن خديجة – رضي الله عنها – من حسن وخلق، تنافس فتيان العرب على الاقتران بها، وفاز من بينهم عتيق بن عائد المخزومي.

وكان القدر بالمرصاد أيضًا، فلم يدع الزوجين يهنأن وينعمان، فاختطفت يد المنون عتيقًا دون أن ينجب ولدًا.

في ميدان التجارة:
انتقل عتيق إلى الدار الآخرة، وقد خلف لزوجته مالاً وخيرًا وثروة عريضة وتجارة واسعة فقامت على إدارتها وتوجيهها بما أبدته من خبرة ومعرفة وذكاء واستطاعت أن تمضي في دروب الحياة وتشقها بمنتهى الحكمة والفطنة، وكانت كلما تقدم إليها خاطب ردته بأدب ولباقة.. عازفة عن الزواج: لأنها قد مرت من قبل بتجربتين مريرتين.

لقد عملت خديجة – رضي الله عنها – في ميدان التجارة واستطاعت أن تؤسس في مكة بيتًا ضخمًا أصبح من بعد علمًا عليها، يعرف بها ورحلت قوافلها تمضي مصعدة إلى الشام أو هابطة نحو اليمن.. تغزو الأسواق تحمل منها ما يدر عليها الربح الوفير والمال الكثير.

الطاهرة (سيدة قريش):
لكن شهرتها – رضي الله عنها – لم تقف عند حد المال والجمال.. بل تعدت ذلك إلى سيرتها التي كانت نبراسًا لكل فتاة ولكل أم، فعُرفت بين القاصي والداني بلقبي (الطاهرة) و (سيدة قريش) وكانت يد العناية الإلهية هي التي تحرك وتصرف.

وتعد خديجة لأن تكون بعد زمن يسير المسلمة الأولى.. وأم المؤمنين الأولى.. وسيدة نساء العالمين.. والزوجة المجاهدة الصابرة.

الأمين على تجارة خديجة:
كان الأمين (صل الله عليه وسلم) حديث الناس في مكة بللا استثناء صفاته وأخلاقه ويحترمون أمانته وورعه، ويكبرون صدقه وصواب رأيه.

ولقد ترك كل ذلك في نفوس القرشيين عمومًا والمكيين خصوصًا انطباعًا في تقديره واحترامه (صل الله عليه وسلم).

وكانت خديجة بنت خويلد ممن يسمعون أخباره وأنباءه ويصغون إليها بإعجاب مشوق بلهفة، وكثيرًا ما حدثها بذلك خزيمة ابن عمها صديق (محمد) ورفيقه، وتحركت في أعماق نفسها مشاعرها وأحاسيسها.

فوجدت ذاتها يومًا ترسل رسولاً إلى أبي طالب تعرض عليه عرضًا سخيًا مقابل أن يتولى محمد الأمين أمر تجارتها وقوافلها المحملة بمختلف البضائع والعروض.. ورضي محمد بذلك واستبشر خيرًا بأفق جديد ينفتح في آفاق الحياة الرحبة وتهيأ للرحيل لكن (أبا طالب) كان شديد القلق على ابن أخيه الذي وصاه به خيرًا الراهب بحيرا فأتى إلى ميسرة غلام (خديجة) يحذره ويوصيه بمحمد وإزاء ذلك تركز اهتمام ميسرة على محمد (صل الله عليه وسلم) يراقبه ويرعاه، تنفيذًا لوصية أبي طالب ولقد رأى ميسرة من أمر محمد العجب العجاب.

شخصية خارقة، وخلق دمث، وكلمة متزنة، ومشية كلها وقار، وحديث كله عذوبة وأمانة ما بعدها، وصدق بالغ وحنكة ودراية يعجز عنها فحول التجار، ورأى ما لا يمكن أن يستهان به، أو يمر به مرور الكرام.

رأى السماء تظله بظلالها حين يشتد لهيب الشمس وغمامة تتبعه في تنقلاته وتحركاته لتحميه من القيظ الشديد، وعندما آوى مرة إلى شجرة ليستريح في بعض ظلها أورقت.. واخضرت وزهت. لقد كان ما يراه ميسرة من أمر محمد (صل الله عليه وسلم) غير مألوف بالنسبة إلى الناس فازداد حرصه الشديد عليه ورعايته له في الحل والترحال.




العودة الميمونة:
عندما عادت القافلة إلى البلد الحرام مكة المكرمة وقد ربحت بضاعتها وكثرت عليها وكان ربحها كثيرًا وفيرًا.. وعندما أذن مؤذن العير بالوصول فاقت خديجة – رضي الله عنها – على غير عادتها إلى سطح دارها تراقب القافلة، واللهفة بادية على وجهها.

وبكلمة وجيزة وأدب جم ووقار باسم أمضى (محمد) إلى (خديجة) بوقائع الرحلة وبعد انصرافه (صل الله عليه وسلم) من عندها حدثها غلامها ميسرة عن البيع والشراء الوفير الذي يفوق أضعاف ما كانت تكسبه في المرات السابقة.. صفى ميسرة بين يدي سيدته شئون القافلة المالية، و (خديجة) – رضي الله عنها – في كل ذلك سماعة له مصغية بأذنيها وعواطفها تستزيده وسرح بها خيالها فكان قلبها يزداد خفقانًا ويضج بين جوانبها.

بين الواقع والرؤيا:
وقد رأت رضي الله عنها في منامها الشمس عظيمة مضيئة مشرقة.. أشد ما يكون الضوء جلالاً وجمالاً وسطوعًا تهبط إلى دارها من سماء (مكة) فيغمر ضؤوها ما يحيط به من أماكن وبقاع.

فسعت إلى ابن عمها (ورقة بن نوفل) تحدثه بذلك فقال لها: لك البشرى يا خديجة يا ابنة العم.. فهذه الشمس المضيئة علامة على قرب مجيء النبي الذي أظل زمانه.. ودخولها في ذلك دليل على أنك التي ستتزوجين منه.

رجع الرؤيا:
فكرت في ذلك مليًا، ثم استقرت على قرار، مضت إلى دار ابن عمها ورقة وحدثته من جديد بحديث ميسرة عن (محمد) والغمام الذي كان يظله في تنقلاته يحميه من وهج الشمس ولفحها وآذاها.. فهتف ورقة قدوس.. قدوس.. لقد قرب الأوان، واستدار الزمان، وآن له أن يشهد الآية الكربى وأبدت (خديجة) رغبتها لابن عمها بالاقتران من (محمد بن عبد الله) فوافقها.

وغادرت إلى دار هاشم ثم أرسلت نفيسة إلى محمد r تذكرها عنده وتعرض عليه نفسها، فقال (صل الله عليه وسلم) لنفيسة:

- ما بيدي ما أتزوج به..

- قالت: فإن كفيت ذلك.. ودعيت إلى الجمال والشرف.. ألا تجيب؟

- قال: فمن هي؟

- قالت: خديجة.

- قال: خديجة بنت خويلد.

- قالت: نعم.

- قال في ابتهاج: وكيف لي بذلك؟

- قالت: أنا أفعل.

- فقال (صل الله عليه وسلم): وأنا رضيت.

الزواج الميمون:
عمت الفرحة بيوت الهاشميين، وتناقل الناس النبأ العظيم وتقدم: (أبو طالب) يفتتح الحفل بالخطبة. فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وجعل لنا بيتًا محجوبًا وحرمًا آمنًا، وجعلنا حكامًا على الناس.

أما بعد.. فإن ابن أخي هذا (محمد بن عبد الله) لا يوزن برجل إلا رجح به شرفًا ونبلاً وفضلاً وعقلا، وإذا كان في المال كل فإن المال ظل زائل وأمر حائل.

و (محمد) من قد عرفتم قرابته وقد خطب (خديجة بنت خويلد) وبذل ما عاجله خمسمائة درهم وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل جسيم.

ثم تكلم ورقة بن نوفل ابن عم خديجة فقال:

الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت وفضلنا على ما عددت، فنحن سادة العرب وقادتها وأنتم أهل ذلك كله، لا تنكر العشيرة فضلكم، ولا يرد أحد عن الناس فخركم وشرفكم وقد غبنا في الاتصال بحيلكم وشرفكم فاشهدوا علي يا معشر قريش بأني قد زوجت (خديجة بنت خويلد) من (محمد بن عبد الله) على الصداق المسمى. ثم سكت.. فقال له أبو طالب قد أحببت أن يشركك عمها، فقام عمرو بن أسد فقال: اشهدوا علي يا معشر قريش أني قد أنكحت (محمد بن عبد الله) (خديجة بنت خويلد) فهو والله الفحل الذي لا يقرع أنفه.. ثم احتفل بالزفاف وأمرت خديجة مواليها أن يضربن بالدفوف ويغنين، وقال أبو طالب: الحمد لله الذي أذهب عنا الكرب ودفع عنا الغموم.. وتأسس البيت النبوي الكريم.

وكانت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها يومذاك في الأربعين من عمرها والنبي (صل الله عليه وسلم)

في الخامسة والعشرين

وانتقل عليه الصلاة والسلام من بيت عمه أبي طالب إلى بيت خديجة ومرت أيام الحياة الزوجية على أهنأ ما تكون، فقد كان هذا الزواج في حقيقته زواج عقل راجح إلى عقل راجح وأدب جم وطيب خلق إلى مثله.

زهرات بيت النبوة:

وبعد مرور عام وبعض عام أنجبت خديجة رضي الله عنها (زينب) كبرى بنات النبي (صل الله عليه وسلم) فملأت البيت بالحركة والحيوية.. وبعد ذلك بعام وضعت (رقية) فكانت محل الحب والإعزاز.. ثم عقبتها (أم كلثوم) ثالثة النجوم... فتهاجس الناس في أندية قريش بأن محمدًا لا يرزق إلا بنات.

وحين دخل العاشر من الزواج الميمون كانت قد حملت خديجة وتمنى المحبون الغيورون أن يكون المولود ذكرا.. وحلت في ذلك العام بقريش كارثة؛ إذ احترقت أستار الكعبة ومر بها سيل جارف فصدع جوانبها وأسقط بعض جدرانها، وتنافس الناس في البناء بعد رهبة وفزع وشمَّر الجميع عن ساعد الجد.. وحينما بلغوا موضع الحجر الأسود اختلفوا... إذ تطلعت كل قبيلة لأن تحظى بشرف إعادته إلى مكانه من الركن، ثم اشتد النزاع وامتدت الأيدي إلى مقابض السيوف، ولولا كلمة صدرت عن أمية بن المغيرة المخزومي فحجزتهم لفتك بعضهم ببعض إذ قال لهم: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم، فقبلوا جميعًا ثم تعلقت عيونهم على الباب تنتظر القادم المجهول.. بينما هم كذلك إذ أقبل وجه يضيء كأنه البدر ليلة التمام عليه الصلاة والسلام، فصاح الناس جميعًا: هذا محمد بن عبد الله رضينا بحكمه واستبشرنا بطلعته.

الحكمة النبوية:
ثم حكموه فيما هم فيه مختلفون، وبحكمته البالغة (صل الله عليه وسلم) حُقنت دماء قريش في قصة معروفة وغادرهم إلى بيته قلق البال على زوجته التي تركها وهي تعاني من آلام الوضع وعلى بعد خطوات من باب بيته (صل الله عليه وسلم) تلقى البشرى لقد وضعت خديجة الوليدة الجديدة الرابعة (فاطمة الزهراء) وجاءت الزهراء مع البشرى.

وبعد أن رزق (صل الله عليه وسلم) منها الذرية.. بدأ فجر الإسلام ينبثق فتتابعت الرؤى يردف بعضها بعضًا.. فأخذ يحدثها بكل ما يراه ويعتريه.. فتستمع له بنفس مبتهجة وصدر منشرح وجميع أحاسيسها ومشاعرها لا تفارق الابتسامة العذبة فمها ثم تثبته على ما هو فيه وتبعث في ذاته الشريف العزم والتصميم.. وفي غار حراء وعندما هل هلال رمضان من ذلك العام.. كان انصراف النبي (صل الله عليه وسلم) وخلواته وتأملاته أشد من ذي قبل وأبلغ وكانت خديجة تهيئ له زاده وتوفر جو الخلوة في سكنه، داعية ربها بأن يحفظه ويكلأه ويرعاه وفي يوم البشرى هبط جبريل بالأمر إلى الرسول الأمين قائلاً له: اقرأ فقال: ما أنا بقارئ.. فغطه جبريل ثم أرسله وقال: اقرأ فعل ذلك ثلاث مرات بعد ذلك غادر النبي (صل الله عليه وسلم) إلى الصدر الحنون والقلب الكبير والنفس المواسية إلى خديجة يحدثها بما رأى وسمع وهو يقول: زملوني.. زملوني فانصاعت رضي الله عنها لطلبه وزملته وهي تقول أبشر يا ابن العم واثبت فقد أريد بك الخير العظيم وإنك والله لأهل لكل خير والله لا يخزيك أبدًا.. إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقرئ الضيف، وتعين على نوائب الحق وما زالت به حتى طعم وشرب وضحك وذهب عنه روعه، ثم أنها رضي الله عنها قصدت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل تحدثه بحديثه وشأنه (صل الله عليه وسلم).. وما أن فرغ حتى هتف ورقة قدوس.. قدوس.. والذي نفس ورقة بيده لقد جاءك الناموس الأعظم الذي كان يأتي موسى.. وليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك فقال النبي (صل الله عليه وسلم): أمخرجي هم؟

فأجاب ورقة: نعم.. لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك لأنصرنك نصرًا موزرًا.

أول الناس إسلامًا خديجة – رضي الله عنها - وأرضاها.. أسلمت خديجة وآمنت الزوجة الوفية ولم تكتف بإسلامها وإيمانها بل قدمت كل ما لديها في سبيل الله.

عام الحزن:
وفي عام واحد، العام العاشر من البعثة النبوية أصيب
رسول الله (صل الله عليه وسلم) بحادثين جليلين جعلاه يسمي ذلك العام (عام الحزن) فقد توفي عمه أبو طالب الذي كان درعه الواقي، والذي كفله صغيرًا ورعاه يافعًا وحماه نبيًا ورسولاً ثم لحقته خديجة بعد أن مرضت واشتد بها المرض فحزن النبي (صل الله عليه وسلم) وأحاط بالفراش حولها بناتها زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة يبكين على خير الأمهات وأكثر المجاهدات ثم دنا منها رسول الله (صل الله عليه وسلم) باكيًا وهو يقول: ما أمرَّ الفراق يا خديجة سيكون قصرك في الجنة أعده الله من لؤلؤة مضيئة.

فتجيبه الصديقة مع أخر نسمة من نسمات الحياة.. إن شاء الله.

ويبكي النبي (صل الله عليه وسلم) وتبكي بناته.. ويخلو البيت الكريم من الشعلة الإيمانية التي أضاءت جوانبه وآفاقه ثمانية وعشرين عامًا.

ولحقت خديجة – رضي الله عنها – بالرفيق الأعلى مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
اقــرأ بـــاقـي الـمـوضـوع >>>>>>

شـــارك المـوضوع لـتعم الفائـدة للجميـع

10/26/2015

عائشة بنت ابي بكر الصديق رضي الله عنهما

جوانب من حياة الصديقة عائشة بنت ابي بكر الصديق
الرؤيا:
مضت فترة على زواج النبي ( صل الله عليه وسلم ) من «سودة» ثم استيقظ صبيحة يوم مسترجعًا في مخيلته ذكرى حلم رآه، فقد جاءه جبريل - عليه السلام - بقطعة قماش حريري عليها صورة «عائشة بنت أبي بكر» وقال له: «إنها زوجتك في الدنيا والآخرة».
فأخذ ( صل الله عليه وسلم ) يفكر في أمر هذه الرؤيا.. ثم صرفه ذهنه عنها معتبرًا إياها أضغاث أحلام ولم يولها عنايته واهتمامه فقد كانت مشاغل الدعوة وأعباء الرسالة أكبر من هذا الخاطر العابر وأعظم منه، لكن الرؤيا تكررت ليومين على التوالي فأدرك النبي ( صل الله عليه وسلم )أنها أمر من الله – سبحانه وتعالى -.. ولابد من تنفيذ أمر الله. ثم بكر – عليه الصلاة والسلام – إلى دار أبي بكر رضي الله عنه  فاستقبله مرحبًا.
ولما استقر المقام بالنبي ( صل الله عليه وسلم ) قص على أبي بكر رؤياه فأصغى t وقد أدرك أن النبي ( صل الله عليه وسلم ) قد جاءه خاطبًا. ثم التفت إلى النبي ( صل الله عليه وسلم ) وقال: «إنها ما زالت صغيرة يا رسول الله... وسأرسلها إليك لتراها».
ثم غادر رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) دار أبي بكر، كانت السعادة والفرحة تغمران نفس الصديق فإنه لشرف عظيم ومنزلة سامية أن يصاهره النبي ( صل الله عليه وسلم ) ثم دخل حرم أهله ونادى «عائشة» والتي كانت منهمكة في اللهو بدماها، ثم حملها إناء فيه تمر وطلب إليها أن توصله إلى بيت رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) وتقول له: «هذا كل ما عندتا يا رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) فهل يوافقك؟» فعل أبو بكر t ذلك بعد أن أخبر زوجته أم رومان بالأمر وأخذ رأيها.
الخطبة:
أسرعت «عائشة» الطفلة الفتاة إلى بيت رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) فهشَّ لها وحياها، ثم قدمت له وعاء التمر الذي أرسلت به وقالت له ما علمها أبوها ثم عادت ثانية إلى والدها فسألها:
«ماذا قال يا بنية؟ أجابت: قال: نعم وعلى بركة الله»، لقد ذهبت «عائشة» إلى بيت النبي ( صل الله عليه وسلم ) تنفيذًا لأمر أبيها وهي لا تدري من أمر هذه الزيارة شيئًا ولا الغاية منها، إذ كانت صغيرة في السن، ولا تدرك معها منطويات هذه الأمور وأهداف هذه التحركات وأبعادها ومراميها.
لقد ارتاحت نفس الصديق t غاية الراحة وسر غاية السرور لجواب النبي ( صل الله عليه وسلم ) وخطبت عائشة لرسول الله ( صل الله عليه وسلم ) وهي بنت سبع سنين (على أصح الروايات) وبقي أمر هذه الخطبة مكتومًا لا يعلم به أحد سوى رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) وأبو بكر وزوجته أم رومان وكان رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) كثير التردد على أبي بكر فيوصي بعائشة خيرًا؛ إذ كانت طفلة صغيرة لا تفقه من شئون الحياة إلا القليل وكانت مثل صديقاتها في سنها تقضي معظم أوقاتها لاهية لاعبة تأخذ دميتها في حجرها فتسرح لها شعرها أو تلبسها خرقًا تسميها ثيابًا أو تهدهدها لتغفو.
لقد وثقت هذه الخطبة أواصر المحبة والصداقة بين
رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) وصديقه الحميم أبي بكر t وزادتها متانة وقوة.

الزواج:
سنوات الكفاح والجلاد والجهاد حتى كانت الهجرة إلى المدينة وبعد أن استقرَّ المقام بالمسلمين فيها، وآخى رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) بين المهاجرين والأنصار وجمع بين الأوس والخزرج على طريق الإيمان والإسلام وعاهد يهود المدينة من بني قينقاع وبني النضير على التعايش بأمن وسلام لا يغدروا بالمسلمين ولا ينصروا عليهم عدوًا ولهم دينهم وشئون حياتهم الخاصة، بعد هذا كله جاءه أبو بكر الصديق t مذكرًا يمشي على استحياء.. جاءه ( صل الله عليه وسلم ) في ساعة من صفاء وراحة قائلاً: «ما الذي يمنعك أن تبني بأهلك يا رسول الله؟» فالتفت النبي ( صل الله عليه وسلم ) إلى أبي بكر وكأنه تنبه إلى نفسه وفكر في خطبته لعائشة التي مضت عليها سنوات فعائشة اليوم قد اكتملت أنوثة، وهي أصلح ما تكون لإتمام الزيجة فأجاب ( صل الله عليه وسلم ) أبا بكر بالإيجاب والابتسامة الرقيقة لا تفارق ثغره الشريف.

في بيت رسول الله:
دخلت عائشة – رضي الله عنها – بيت رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) تحمل ضمن جهازها المتواضع جدًا الدمى!! إذ كانت رغم اكتمال أنوثتها ما تزال في سن مبكرة تغلب عليها السذاجة وطابع الطفولة.
فقد دخل رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) بيته يومًا فوجد عائشة قد صفَّت العرائس وجعلت لبعضها أجنحة فسألها «عما تصنع» فقالت: «إنهن خيول سليمان»، فتبسم رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) وعاد يسألها: «وما هذه الأجنحة» فقالت: «ألم تكن لسليمان خيول ذات أجنحة يطرن بها؟» فضحك رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) ولم يكن ليتضايق منها أو يتألم أو يبدي ضجرًا أو اشمئزازًا ولكنه كان يرعاها رعاية الأب الحنون أو الوالد العطوف كيف لا؟ وهو نبي الرحمة وهو الذي يقول: «استوصوا بالنساء خيرًا»، وفي ذات يوم دخل الدار فرأى عائشة – رضي الله عنها – قد غلبها النوم والشاة تأكل الخبز الذي أعدته فتبسم من ذلك ثم أيقظها برفق وواساها حين أبدت ندمها وحزنها على ما فرطت وأهملت، لقد كان – عليه الصلاة والسلام – معلمًا عظيمًا وأبًا كريمًا وزوجًا وفيًا..
وبهذه الصفات التي حلاه ربه بها، والمبادئ التي بشر بها انتصر على الجهل فأيقظ العقول، وحطم الأوثان، وقضى على الشرك فمحا من القلوب ما ران عليها من أدران العبودية لغير الله تعالى.

الزوجة الوفية:
كبرت عائشة – رضي الله عنها – ونضجت واستوت عقلاً وفهمًا وإدراكًا فكانت سيدة بيت رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) ترعى شئونه وتدبر أموره وتواسيه حين تجب المواساة وتطيعه في توجيهاته وتحفظ عنه الكثير من أقواله وتتأسى بأفعاله وتقوم بأمور بيت الزوجية خير قيام، وعرف رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) لها ذلك الفضل فكانت أحب نسائه إليه، وعرف فيها الذكاء والوفاء والوعي والفهم.
لكن عائشة – رضي الله عنها – لم تكن لتفارقها طباع النساء من غيرةٍ، فقد حدث مرة أن خرج رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) في إحدى الغزوات واصطحب معه من نسائه عائشة وحفصة وفي الطريق رأت حفصة كثرة اقتراب النبي ( صل الله عليه وسلم ) من هودج عائشة يكلمها ويحدثها فخطر لها خاطر، فما أن ابتعد النبي ( صل الله عليه وسلم ) عن هودج عائشة حتى اقتربت منها حفصة وأسرت إليها بكلام تضاحكتا بعده، ثم استبدلتا ركوبيهما عائشة في هودج حفصة وحفصة في هودج عائشة، ثم أقبل رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) يكلمها وهو لا يعلم أن حفصة بداخله فكلمته وحدثته على أنها عائشة، وعندما أقبل المساء وتوقف الركب عن المسير وقصد النبي ( صل الله عليه وسلم ) خباء عائشة فوجئ بحفصة في داخله.. لكنه ( صل الله عليه وسلم ) لم يبدِ انزعاجًا وقضى ليلته عندها وكانت ليلة ليلاء على عائشة التي حرمت من بركته ( صل الله عليه وسلم ) وأضاعت فيها نصيبها وأرقت طوال ليلها ولم يعرف النوم سبيلاً إلى عينيها ولامت نفسها إن عادت لمثل ذلك.
الزوجة الغيور:
وفي ذات ليلة خرج رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) إلى البقيع حيث مدافن المسلمين وكثيرًا ما كان يخرج إليها ليلاً بعد صلاة الفجر يزور أهل البقيع ويسلم عليهم ويدعو للمؤمنين والمؤمنات ويتذكر الموت والآخرة. فاستفاقت عائشة فلم تجده بجوارها فقلقت وتحيرت في أمرها وظلت على حالها تلك حتى عاد الرسول ( صل الله عليه وسلم ) ورأى ما هي عليه من الهم والأرق، فأنكر ذلك منها وقد ظنت أنه ( صل الله عليه وسلم ) قد خرج إلى إحدى نسائه غيرها، فقال لها: «إذًا فقد غلبك شيطانك يا عائشة!!» فسألته أي شيطان يا رسول الله؟ فقال ( صل الله عليه وسلم ): «نعم لكل إنسان شيطان» فأردفت: وحتى أنت يا رسول الله!؟
فأجابها ( صل الله عليه وسلم ): «نعم ولكن الله – تعالى – أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير» بمعنى أنه استسلم ولم يعد له سلطان عليه أو بمعنى أسلم أي دخل الإسلام على قول بعض أهل العلم.
ولقد وصل حب النبي ( صل الله عليه وسلم ) لعائشة – رضي الله عنها – إلى جعل باقي نسائه – عليه الصلاة والسلام – تشتد غيرتهن منها وتدفعهن تلك الغيرة أن يرسلن فاطمة الزهراء – رضي الله عنها – إلى أبيها يطلبن العدل بينهن. فجاءت أباها تنقل إليه احتجاج أزواجه فغضب – عليه الصلاة والسلام – وأعرض عنها بوجهه مع حبه الشديد لها.. لكن فاطمة أعادت الحديث وكررت الطلب وكانت لها دلال على أبيها( صل الله عليه وسلم ) فقال لها:
«أو لست تحبين ما أحب؟» فردت بلى يا رسول الله... فقال لها:
«إذًا أحبي هذه» فسكتت فاطمة برهة أضاف بعدها ( صل الله عليه وسلم ) قائلاً: «فليتقين الله في عائشة فوالله ما نزل عليَّ الوحي وأنا في فراش واحدة منهن غيرها».
يا نساء النبي:
وفتن الشيطان يومًا نساء النبي ( صل الله عليه وسلم ) ووسوس إليهن أن يطلبن زيادة النفقة والتوسعة عليهن فغضب لذلك غضبًا شديدًا وأقسم أن لا يدخل بيوتهن شهرًا...! كما خيرهن بين متعة الحياة الدنيا وزخرفها وزينتها وبين العيش في كنف النبوة وظلال الرسالة. ولما آثرن البقاء بجانبه ( صل الله عليه وسلم ) كان أول بيت دخله من بيوت أزواجه هو بيت عائشة وكان مما قالته يومئذ معتذرة لرسول الله ( صل الله عليه وسلم ): «بأبي أنت وأمي يا رسول الله أفي هذا تخيرني؟ بل أختار الله ورسوله» وعاد الصفاء والود إلى بيت رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) وانزاحت السحب والغيوم التي تلبدت في سمائه فترة من الزمن.

حديث الإفك:
ولقد كان حديث الإفك من أشد وأصعب ما واجهت عائشة – رضي الله عنها – في حياتها ومن أقسى ما تعرض له بيت النبوة إلى أن تنزلت آيات الله – تعالى – في سورة النور تكشف الغمة وتبددها.
فلقد خرج النبي ( صل الله عليه وسلم ) في جيش من المسلمين في المدينة إلى ديار بني المصطلق لتأديبهم ومعاقبتهم على ما كان منهم وكان سهم الخروج من نصيب عائشة من بين أزواجه. وحين تم النصر للمسلمين على بني المصطلق الذين لقوا جزاء غدرهم ونفاقهم ووزعت الغنائم والأسلاب وقد التقى عند حوض المساء كان يستقي من المسلمين أحد الأنصار وأحد المهاجرين فتزاحما وتنافرا وكاد خصامهما يؤدي إلى اشتباك بين المؤمنين. ومما زاد في تأجيج نار الفتنة ما قاله رأس المنافقين عبد الله بن أبي سلول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعز منها الأذل.
وسمع أحد المسلمين تلك المقالة وشهد الحادثة ومن ثم رأى بوادر الفتنة فأسرع إلى رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) ينقل له الخبر وما قاله ابن سلول فرأى – عليه الصلاة والسلام – أن من الحكمة أن يشغل الناس عن الفتنة بالمسير على الفور بعد أن أقاموا للاستراحة. في أثناء ذلك كانت عائشة قد خرجت من خبائها لقضاء حاجة بعيدًا عن معسكر المسلمين وهي لا تدري من أمر ما يحدث شيئًا وابتعدت كثيرًا وحين رحل المسلمون رفع هودجها من مكانه ظنًا من قائده أنها بداخله ومضى المسلمون في طريقهم إلى المدينة. عادت عائشة مما ذهبت إليه وافتقدت عقدًا كانت تزين به جيدها فلم تجده فرجعت سريعًا إلى حيث كانت ولملمت حبات العقد المتناثرة وعادت على جناح السرعة وحين بلغت طرف المعسكر ومكان الهودج لم تجد أثرًا لبشر فارتاعت وجزعت وألم بها خوف شديد ثم لبثت في مكانها لا تدري كيف تتصرف وماذا تفعل! وكان من عادة رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) القائد الظافر الخبير أن يرسل إثر كل غزوة رجلاً من أصحابه اسمه صفوان بن المعطل يستدرك ما فاته المسلمون عند رحيلهم، وفوجئت عائشة – رضي الله عنها – بخيال فارس يأتي حيث تقف فأرخت حجابها وعندما لمحها صفوان غض بصره وقال في دهشة وعجب!! ظعينة رسول الله؟ ما خلفك رحمك الله؟ وما الذي أخرجك؟ ثم نزل عن بعيره وتأخر حتى ركبت ثم تقدم وأمسك بالمقود وشغل بال رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) على عائشة حتى عادت واطمئن عليها وسمع بعذرها وصدقها بعد أن افتقدها فلم يجدها واهتم لأمرها.
وكان عندما أطل موكب صفوان وعائشة على مداخل المدينة المنورة ولمحه ابن سلول المنافق الذي كان جالسًا مع بضعة نفر من أتباعه ووجد المادة التي يتسلى بها والسم الذي ينفث لينفس عن حقده وحسده لرسول الله ( صل الله عليه وسلم ) وعلى المسلمين فقال: أيها الناس ظعينة نبيكم عادت في ركاب رجل والله ما نجت منه ولا نجا منها وسرت أكذوبة ابن سلول بين الناس مسرى النار في الهشيم وتناقلتها الألسنة تصريحًا وتلميحًا.
لكن عائشة – رضي الله عنها – دخلت منزلها خالية الذهن لا تدري من أمر هذا الإفك والافتراء شيئًَا ثم وصل الهمس إلى أذن رسول الله فعاش فترة من الحيرة والقلق والهم الشديد، يبدو ذلك على محياه الشريف ويظهر في تصرفاته وكانت عائشة تعلل تلك الظواهر في وجهه ( صل الله عليه وسلم ) أو انصرافه عنها بسبب انشغاله بأمور الدعوة وشئون المسلمين، وحين استفحل الأمر وقد شعرت – رضي الله عنها – بالمرض يداهما استأذنت رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) أن تذهب إلى بيت أبيها كي تقوم أمها على خدمتها ورعايتها ولقي طلبها هذا سرعة استجابة من رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) مما جعلها تحزن وتتوجس لأنه – عليه الصلام والسلام – لم يكن ليطيق فراقها أو ابتعادها عنه ودخلت عائشة منزل والدها الصديق الحزين t الذي ما انفك يدعو الله – تعالى – أن يبرئ ساحة ابنته. وقضت في بيت أبي بكر t قرابة العشرين يومًا حتى شفيت من مرضها.
وفي ليلة خرجت مع امرأة من ألأنصار ممن كن يزرنها لقضاء حاجة بعيدًا في الخلاء وبينما كن في الطريق عثرت المرأة بطرف ثوبها وكادت تسقط أرضًا فقالت: تعس «مسطح» فانتفضت عائشة وقالت بحدة وغضب: بئس لعمر الله ما قلت في رجل من المهاجرين ممن شهدوا بدرًا... فقالت المرأة: عجبًا وتدافعين عنه أو ما بلغك الخبر يا ابنة أبي بكر؟ فأجابت عائشة مستفسرة بدهشة: وما الخبر؟ فقصت عليها المرأة حديث الإفك وما يشاع عنها وما يروجه دعاة السوء من أقاويل وافتراءات. وكان مسطح بن أثاثة واحدًا من الذين أطلقوا لألسنتهم العنان ينالون به من شرف عائشة وسمعتها، ولما فرغت المرأة من الحديث كاد يغمى على عائشة فتماسكت وعادت إلى البيت تبكي وتنتحب وتلوم أمها لأنها كتمت عنها الخبر رأفة بها، وراحت الأم تخفف من حدة غضب «عائشة» والدموع تنهمر من عينيها فتغسل وجهها وتقول: أي بنية هوني عليك الشأن فوالله ما كانت امرأة حسناء عند زوج يحبها ولها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها لكن أين عائشة وأين أمها!!
لقد كانت في هم شديد، الدنيا كلها في نظرها مظلمة سوداء. فقبعت في الدار متوارية عن الناس عازفة عن الطعام والشراب لا تغفو ولا تنام تبكي وتنشج. ولم يكن سكوت رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) سكوت الصدق – معاذ الله – ولكن سكوت الصابر حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً. وحين كثر القيل والقال خطب في الناس فقال: «أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهم غير الحق، والله ما علمت منهم إلا خيرًا، ويقولون ذلك في رجل ما علمت منه إلا خيرًا وما يدخل بيتًا من بيوتي إلا وهو معي (يعني صفوان بن المعطل)» فسكت الناس جميعًا ثم أراد رسول الله أن يستشير خلصاءه في هذا الأمر وأصفياءه فاستدعى إليه ابن عمه علي بن أبي طالب وحبه أسامة بن زيد وسألهما رأيهما فقال أسامة: إنك لأعلم الناس بعائشة يا رسول الله وإن الناس لتكذب وما عرفت عنها إلا خيرًا، وأما علي فقال: يا رسول الله إن النساء كثيرات وإنك لقادر على أن تستخلف (أي تنجب الأبناء) وسل الجارية تصدقك.
فدعا رسول الله جاريتها ليسألها فتقول بريرة: والله ما أعلم إلا خيرًا وما كنت أعيب على عائشة شيئًا إلا أني كنت أعجن فآمرها أن تحفظه فتنام عنه فتأتي الشاة فتأكله!
وحين سأل رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) عمر بن الخطاب t قال: تسألني يا رسول الله عن عائشة وإني بدوري أسألك: من زوجك إياها؟
فأجاب رسول الله بهدوء: «الله تعالى».
فقال عمر: إذًا أفتظن أن الله قد خدعك ودلس عليك فيها؟ سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم.

البراءة من السماء:
وفتر الوحي وتوقف مدة عن رسول الله ( صل الله عليه وسلم )، مما جعل لألسنة السوء والفحشاء مجالاً وميدانًا فسيحًا...!
ولم يبق أمام رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) إلا المواجهة فعزم على الذهاب إلى دار أبي بكر t وحين دخل – عليه الصلاة والسلام – إلى الدار كانت عائشة تبكي وبجوارها امرأة من الأنصار، فكفكفت دمعها ومسحت عينيها، ثم جلس رسول الله قبالتها يسألها: «يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتقي الله؛ فإن كنت قد قارفت سوءًا مما يقولون فتوبي إلى الله إن الله يقبل التوبة من عباده». ونزل القول على رأس عائشة نزول الصاعقة، فخيم الصمت الرهيب على المكان وشمل الجميع السكوت.. ولكن عائشة وحدها تكلمت ودموعها تدفقت من عينيها بغزارة، تكلمت لتدافع عن نفسها ثم نظرت إلى والديها وقالت صائحة صارخة: ألا تجيبان؟! فقالا: «والله ما ندري بماذا نجيب». فعادت إلى البكاء مع النشيج والنحيب، وقد تقطعت نياط قلبها حزنًا وألمًا ثم التفتت إلى
رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) قائلة: «والله، لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدًا والله إني لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس، والله يعلم أني بريئة لأقولن ما لم يكن، ولئن أنكرت ما يقولون لا يصدقوني، إنما أقول كما قال أبو يوسف (يعقوب - u -) «فصبر جميل والله المستعان على ما يصفون»، ثم عاد السكون يلف المكان بردائه الشامل، وشعر رسول الله بأن الوحي يكاد ينزل عليه فسجى في ثوبه وأتته عائشة بوسادة من أدم وضعتها تحت رأسه وفزع الجميع إلا عائشة الطاهرة البرئية.
وحين استفاق -عليه الصلاة والسلام- من غشية الوحي وهو يتصبب عرقًا كالجمان قال: «أبشري يا عائشة قد أنزل الله براءتك...!» فصاحت والفرحة تغمر قلبها: «الحمد الله» ثم تلا رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) قول الله تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{ [النور: 11-18].
ثم أمر رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) بالأشخاص الذين كانوا يروجون ويفترون ويقذفون فنالوا جزاءهم.
وعادت الطاهرة البريئة إلى بيتها وإلى مقامها في قلب رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) وإلى مكانتها الرفيعة في نفوس المسلمين جميعًا.

بعد رسول الله:
فتح المسلمون مكة وطهروا البيت الحرام من دنس الأوثان والأصنام وارتفعت كلمة «لا إله إلا الله محمد رسول الله» مدوية في سماء الجزيرة العربية وبعد أن حج رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) حجة الوداع وتلا عليهم يومها قول الله تعالى: }الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا{ [المائدة: 3] دمعت عينا أبي بكر t - إذ شعر بقرب لحوق النبي ( صل الله عليه وسلم ) بالرفيق الأعلى وانتقاله إلى جوار ربه.

في بيت عائشة:
وحين دهمت الحمى رسول الله ( صل الله عليه وسلم ) سأل نساءه مستأذنًا بكل ما كان يتمتع به من أدب النبوة أن يمرض في حجرة عائشة فأذِن له.
فقامت عائشة – رضي الله عنها – المُحبة الوفية بتمريضه ( صل الله عليه وسلم ) والاعتناء به على خير ما يكون الحب والوفاء، وأوصى ( صل الله عليه وسلم ) أن يدفن في حجرتها وهكذا كان. ولقد كانت – رضي الله عنها – أكثر نسائه وأهله حزنًا لفراقه وألمًا لبعاده وهي تذكر سالف أيامها معه وسنوات عمرها التي رافقته فيها. وتولى والدها أبو بكر خلافة المسلمين ثم تبعه عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – والكل يعرف لها مكانتها ومنزلتها وفضلها وعلمها. فكم من قول وفعل كان لرسول الله ( صل الله عليه وسلم ) أخذ عنها وسمع منها، وفي هذا نستطيع القول أن شطرًا وجانبًا هامًا من الأحكام الفقهية كان مصدره عائشة – رضي الله عنها – فهي الحافظة الراعية لخصوصيات البيت النبوي الشريف، ولما كانت خلافة الخليفة الراشد عثمان بن عفان t وظهرت بوادر الفتنة مكشرة عن أنيابها كان بيت عائشة ذلك الحين ملتقى كبار الصحابة – رضوان الله عليهم – يعرضون عليها ما يرون وما يسمعون ويطلبون أن تدلي برأيها في الأمور كي يستقيم الحال وينضبط الوضع لكنها كانت تتردد خشية الدخول في باب لا تدري إلى أين ينتهي.
واستشهد عثمان t وقتل ظلمًا وغدرًا ووقعت الواقعة وتولى علي بن أبي طالب t الخلافة، وحاول الأمويون عشيرة عثمان وأهله أن يتخذوا من استشهاده ذريعة للخلاف بينهم وبين علي والانتقاض عليه، يطالبونه بالاقتصاص الفوري من قتله عثمان ويؤخرهم في ذلك ريثما تهدأ أعاصير الفتنة ورياحها وجاء إلى عائشة من يوغر صدرها على علي ويذكرها بما قاله في شأنها يوم حادثة الإفك، وخرجت جموع من الناس فيهم الزبير بن العوام وولداه عبد الله وعروة وطلحة بن عبد الله يتهمونه بالتلكؤ في القصاص من قتلة عثمان، وبدأت محاولات للمصالحة وكادت المصالحة تتم حتى أن الزبير بن العوام غادر الميدان فعلاً، إلا أن سهمًا مجهول المصدر أصاب طلحة بن عبد الله فوقع t شهيدًا، وسالت دماء المسلمين وحدثت موقعة «معركة الجمل»، حيث كانت عائشة – رضي الله عنها – تركب جملاً فسميت بهذا الاسم، وكان عليٌ t وفاء منه لرسول الله ( صل الله عليه وسلم ) كريمًا فأكرم عائشة وحفظها من كل سوء. وأنزلها منزلاً مباركًا وأعادها مع أخيها محمد بن أبي بكر إلى المدينة معززة مصونة مكرمة محترمة.

الوفاة:
مرضت عائشة – رضي الله عنها – وكان قد سبقها إلى الدار الآخرة معظم نساء النبي ( صل الله عليه وسلم ) ثم اشتد عليها المرض حتى فارقت الحياة الدنيا، جرى دفنها في البقيع وكانت وفاتها سنة ثمان وخمسين من الهجرة ليلة الثلاثاء السابع عشر من شهر رمضان على أرجح الأقوال.
وقد بلغت من العمر تسعة وستين عامًا وكان الصحابي الجليل أبو هريرة t ممن حضر جنازتها وبينما هو في طريق عودته من البقيع بعد الدفن وقد فاضت عيناه بالدموع كان يردد: رحم الله أم المؤمنين عائشة لقد كانت حياتها صفحة ناصعة شديدة النقاء بالغة الطهارة – رضي الله عنها وأرضاها – وأكرم نزلها ومثواها وألحقنا بها في الصالحين من عباده.
اقــرأ بـــاقـي الـمـوضـوع >>>>>>

شـــارك المـوضوع لـتعم الفائـدة للجميـع

يتم التشغيل بواسطة Blogger.